TRUMPET UNIVERSE

AND ASCENSION TO THE LIGHT

Presentation

عرض المقدمة

Beyond Trumpet Universe

ما بعد الكون الصور

Earth History

تاريخ الأرض

The Mayan Calendar

تقويم المايا

The Photon Belt

حزام الفوتون

Ascension

العروج

Light Body Activation

تفعيل جسد النور

Bridging Heaven

العبور إلى الجنة

3 Days of Darkness

ثلاثة أيام من الظلام

سلسلة علامات الساعة

أتلانتس

أبعد من أتلانتس

Atlantis & Beyond

فراعنة أنبياء

Messenger Pharaohs

قيصر من البرزخ والبعث

Ethereal Messages

رسائل عبر الأثير

Near Death Experience

تجربة قرب موت

2012

٢٠١٢

The Breath Of Brahma

نفس البراهما

The Fibonacci Numbers

Spirit Twins

توائم الروح

Trumpet Universe

الكون الصور

String Theory

نظرية الأوتار

Dimensions

الأبعاد

What Is Between Them

وما بينهما

Energy Flow

تدفق الطاقة

Unseen Worlds

العالم غير المرئي

Geometry and Galaxies

الشكل الهندسي والمجرات

Universal Axis

محور الإرتكاز الكوني

Cosmic Web

الشبكة الكونية

Space - Time

الزمكان

Hadith - Seven Skies

أحاديث في السماوات السبع

فواتح السور

مراسلات عقيمة

"السلطات الدينية"

قضية مستشفى الرميلة قطر

بعض أحداثي المريبة

My Weird Incidences

Biography

سيرتي

I Was A Stone

كنت حجرا

My Roots & Wings

جذوري وأجنحتي

Rebirth - My Art

إعادة ولادة - فني

SEAC 2009 Proceeding

Contact Us

ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ... يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

 

جذوري وأجنحتي

               

لذكرى نساء عظيمات في حياتي, للمقدرة وعزة النفس التي مرروها من خلال جيناتهم,  لتواجدهم القوي في مراحل حياتي, وقبل ذلك

 

جدتي الكبرى

سمعت عنك من جدتي كراجيت, رأيتك فيها, وشعرت بك في دمي عندما احتجت للقوة  لكي أهاجر وأبحث عن حياة أفضل لأولادي. كانت بعلبك, حيث عاشت مع زوجها وإبنتها الأولى, كانت مرتا صوايا وزوجها كان يوسف فرح. الزمان كان حوالي ال 1900. أية ظروف دفعتهم للهجرة إلى أميركا, لا أعلم. غادروا على سفينة, إستقروا في بوينس إيرس في الأرجنتين لبضعة سنوات. هناك ولدت إميلي وكراجيت, جدتاي ولبيبة أختهم الصغرى وإسكندر. رعت الأطفال وساعدت في تحصيل دخل على ماكينة خياطة بينما عمل زوجها. عندما عادوا إلى لبنان حوالي 1910 بقي إسكندر هناك, فقدت العائلة الإتصال به بعدها. توفي والدهم بعد عودتهم بقليل وبعده توفيت أختهم الكبرى خلال ولادة ولدها البكر. كانت أمهم إمرأة تمتلك يدين ذهبيتين, خياطة, حياكة وكروشية, كانت بارعة في كل شيء تفعله وأعالت الفتيات. كانت سيدة عظيمة, أخبرتني جدتي.

رأيت منزلهم عندما زرت بعلبك مع جدتي, كنت في الثامنة عندها. كان بجانب منزل العائلة الكبير في الساحة القديمة للمدينة, منزل كبير تحول إلى مقر حكومي يسكنه رجال دين مسيحيين. جلست بجانب جدتي على مقعد في منتزه كبير في بعلبك تلك الرحلة, كان هناك ماء وبط, جسور خشبية صغيرة ورأيت جدتي بحزن تستعيد أياما خوالي غالية.

عندما كانت إميلي وكراجيت في الخامسة عشر والثالثة عشر حام جنديين لبنانيين شابين في الجيش التركي في العشرينات من عمرهم حول بيتهما,  سألا الزيارة  وطلبا الزواج من الفتاتين الشابتين. كان رد الأم حازما: "أبدا, طالما حييت لن يتزوج مسلم من بناتي, أنتم ليس لديكم قيمة للمرأة". ولكن توفيت أمهم بعد ذلك بقليل وآلت الأمور بزواج جدتاي من جداي.

إميلي تزوجت من أديب فرحات وإنتقلت إلى بيروت, وكراجيت تزوجت عباس عرب وغادرت إلى صور. أختهم الصغرى لبيبة تزوجت بعدهن بمدة وسافرت مع زوجها للعيش في أميركا. عاشت لبيبة حياة طيبة ولكنها لم ترزق بأولاد. كنت طفلة عندما رأيت إجتماعها بجدتي كراجيت وثلاثة من بنات أعمامهم من بعلبك في بيت أليس الصغير في شارع رأس النبع في بيروت. كانت قد مضت أربعون سنة منذ إفترقت هي وجدتي عن بعضهما, كانت السيدات كلهن في الخمسينات, أخت جدتي وبنات أعمامهن الثلاثة كانوا يرتدون ملابس أنيقة, جاكيتات, قبعات عليها ريش, شنط يد لامعة, ماكياج وأحذية مدببة. كان المشهد لا ينسى, بدا كمشهد من فيلم سينمائي. أليس كانت متزوجة ولكن لم يكن لديها أولاد, ولا حاجبين, كانت ترسمهما بقلم كحل بني. بيتها الصغير المكون من غرفة واحدة على الطابق الأول في مبنى  قديم يتألف من طابقين, بدا مع ذلك غنيا ومؤثثا بترف. سرير عال بأعمدة وفراش كثيف وأغطية منجدة على طرف الغرفة, الكنب ذات القماش بنقوش أزهار والوسائد الكروشية, السجادة الشرقية القديمة, اللوحة والأشغال الفنية وصورة زوجها على الحائط في بدلة الجيش, والستارة المخرمة البيضاء التي أخفت المطبخ الصغير على الطرف الآخر للغرفة. في مقابل باب البيت كان هناك باب آخر يفضي إلى مصطبة مفتوحة فوق الشارع تماما, كانت أصغر بقليل من البيت ولها حافة متدنية, كانت مرصوصة بآنيات النباتات وكان هناك شرطي خشبي أزرق وأحمر لامع على عصاة مغروسة في أحدى الآنيات, كان يلوح بيده كلما هبت الريح وكلما عبرت الشارع من بيت خالي إلى بيت جدي. كان منزلها في منتصف الطريق بين منزل جدي أديب فرحات وشقة خالي سلام عرب في الطابق الخامس على زاوية الشارع.

لي ذكريات منقوشة في ذلك الشارع.

كانت إميلي في السابعة عشرة عندما تزوجت أديب فرحات, جاء من قرية الأنصارية التي تقع على رابية تطل على البحر, وتمتد على هكتارات من سنابل القمح الذهبية التي تموج مع نسمات الهواء والمزروعات والكروم. على منتصف الطريق بين صيدا وصور في جنوب لبنان. الأنصارية تعود لآل فرحات الذين كانوا الغالبية العظمى في القرية عندما أخذنا والدانا أنا وأخي عندما كنت في السابعة عشرة للتعرف على أقاربنا المتفرعين, ولزيارة ضريح جدي الحديث بإحدى قصائده المنقوشة على لوح حجري كبير عند المدخل الغربي للقرية. إحتفظ جدي بشجرة العائلة. الأنصارية سميت بعد إسم العائلة الأصلي الأنصاري. كان لهم أقارب في قرية أخرى تبعد نصف ساعة, تسمى أنصار. وصل أجداد جدي إلى لبنان قبل مئات السنين عندما هاجروا من نجد في السعودية, كانوا ينتمون إلى قبيلة بني تغلب, قبل ذلك كانوا نصارى تركوا فلسطين في أيام الرومان واستقروا قرب المدينة على الساحل الغربي للسعودية. كان لأديب أختين وأخوين من أمه وزوجة أبيه. أرسله أبوه إلى بيروت ليدرس في المدرسة الأمريكية رغم اعتراضات أعضاء العائلة على فكرة الدراسة في مدرسة أمريكية غير إسلامية. تابع تعليمه وإستقر في بيروت. كان شاعرا وأديب رحلات, سافر إلى أوروبا. من مؤلفاته كتاب "الشرق شرق والغرب غرب وقد يلتقيا". كتاب آخر من مؤلفاته "من وحي المجتمع" وله عدة أشعار, قرأت أحدها عن الأمهات في كتاب المدرسة وأحدها لأخي عندما ولد, وآخر يرثو فيه أبي عندما توفي في الثلاثين من عمره. أذكره خطيبا يلقي محاضرات في المناسبات الثقافية المختلفة ومنها مدرستي.

لكن إميلي فرح كانت تعيسة مع أديب فرحات, كانت أمها على حق. كانت حريته فوق كل شيء وكان بخيلا. وهي كانت وحيدة مع ثلاثة أطفال, فؤاد أبي, سلوى أخته وحافظ أخوهم الصغير. كان جدي معجبا بها وبالبدلات التي صنعتها له بيديها بواسطة إبرة اليد, ولكنه تزوج عليها مرتين. أنجب طفلا واحدا من كل من الزوجتين الأخيرتين. أخبرتني جدتي كراجيت أن خالهم ترك لهم وصية وأبلغ الزوجان بذلك. عباس لم يكن بحاجة ولم يحمل مشقة إبلاغ زوجته, ولكن أديب تسلم مبلغا جيدا وبنى مبنى بثلاث طوابق في رأس النبع في بيروت. توفيت إميلي في مأوى للعجزة بعد سنوات من المعاناة. رأيتها مرة واحدة, كنت في العاشرة وقتها. ذهبت لزيارتها مع أمي وخالتي وجدتي في مستشفى المقاصد حيث رقدت لمدة من الزمن. كانت مستلقية في عنبر كبير بستائر تفصل الأسرة, عيناها باحت بحزن وكثير من المرارة, كانت أقل إنتباها لتواجدنا.

كراجيت تزوجت عباس عرب عندما كانت في الخامسة عشرة وانتقلت إلى صور في جنوب لبنان. كان إبن المختار, كانت له أخت وأخوين من أمه وزوجة أبيه الأخرى. بعد موت والده ورث منصب المختار في سن مبكرة وأحضر كراجيت – التي أطلق عليها إسم أسمى المسلم – إلى حياة قالت هي عنها أنها مثل قصة أميرة خيالية, إلى أن تزوج ثانية بعد إثنتي عشرة سنة. كانت رغبة أمه أن يتزوج إبنة خالته الصغيرة, ربما لإبقاء "مجد المخترة" في العائلة. من وقت لآخر سمعت جدتي تعليقات مريضة ك "النصرانية الخنزيرة."
 




 

كانت جدتي سيدة مميزة, كان لها وجه مستدير يشع بسلام داخلي وصبر, أفضل خصائصها على ما أعتقد. كانت في غاية الجمال في سنوات شبابها, رأيت صورتها مع دعد في حضنها, بدت كأميرة. كانت على وجهها إبتسامة رقيقة معظم الأوقات. كانت تمتلك يدين ذهبيتين مثل والدتها, كانت يديها دائما تحيك بالأسياخ أو الصنارة أو تخيط شيئا لأحد ما. قالت "ينبغي أن يشغل المرء يديه ويغلق فاه".


أمضيت برفقتها معظم طفولتي وكانت دائما قريبا بينما كنت أكبر. كان أبي إبن أختها, كنت قريبة لها الضعف بالمقارنة مع أحفادها الآخرين وظروف أمي الصعبة بعد وفاة أبي جمعتنا معا أكثر. أمضيت وقتا برفقتها, سمعت حكايات قديمة وقصصا صغيرة حفظتها وكنت دائما سعيدة لسماعها مجددا خاصة عندما كان هناك أحفاد آخرين يستمعون. مثل قصة النملة إيملين وزوجها الحج طرمين. سألتها أسئلة كثيرة وعلمت تفاصيل عديدة عن حياتها, وحياتنا. في سنواتي الأولى أخذتني معها كلما زارت بيوت أخوالي وخالاتي بين طرابلس, بيروت وصيدا. ركبنا قطارات إلى طرابلس من المحطة عند الساحة الكبيرة في بيروت وأحيانا عربات تجرها الأحصنة في صيدا, كان لهم مقعد ضيق يمتد مقابل المقعد لشخصين المغطى في مؤخرة العربة, جلست هناك مع أخي أديب عندما كان معنا ولكنني كنت رفيقتها كل الوقت. أكثر ما أذكر بيت خالي سلام في رأس النبع في بيروت, محطتها الرئيسية ومحطتي عندما كنت في الثالثة من عمري. جلسنا على الشرفة المستديرة في الطابق الخامس التي تطل على شارع رأس النبع, المخبز في أسفل البناية في الزاوية المقابلة أرسل روائح لذيذة للخبز الطازج ومناقيشي المفضلة في الصباح الباكر. شاركتها قهوتها الصباحية في فنجاني البورسلان الأبيض الصغير مع صحنه, أخذتها مع البسكوت. كنت أمزج محتويات أوعية حفظ الطعام معا في المطبخ أخبرتني. وأخيط مناشفها الصغيرة وأقمشة معا على ماكينتها للخياطة, كانت سنجر سوداء قديمة مع مكوك متأرجح يشبه الصاروخ وموتور قدم يتأرجح مثل موتور السيارات القديمة. فعلت ذلك قالت عندما كانت مشغولة أو نائمة. ولكنها ضحكت أنه كان مقبولا مزج الأرز مع العدس, كان بإمكانها طبخ المجدرة طبقي المفضل من ذلك. سنوات بعد ذلك كان لها منزلها الخاص الصغير قرب بيتنا.

أخذت تواجدها كأمر واقع إلى يوم كانت مريضة جدا وكادت أن تموت جراء تسمم الطعام مع بعض التلاميذ في مدرسة خالتي مريم الصيفية, بسبب تناولهم لكبد موبوء. كنت في الثانية عشرة وقتها. فيما بعد عندما تذكرت ذلك شعرت بأنني محظوظة  لأنها بقيت وأغنت حياتي بالشكل الذي فعلته, توفيت بعد ولادة إبنتي عبير. قالت لي أن القادم التالي لي سيكون فادي, تماما مثل البوستر الذي كان في غرفتي قبل الزواج. كان فيه فتاة لها شعر فاتح ملتف, تنحني لتصلح بنطال أخوها الأصغر, الذي كان له شعر أدكن أملس. كانا في مرج أخضر مفتوح, مسيج بشجر سرو طويل. كانت في الخامسة وكان في الثالثة, إسمهما كان مكتوبا في أسفل البوستر "عبير وفادي".  


خلال زواجها من عباس رزقت بتسعة أولاد, إثنان من أول أبنائها توفوا وهم أطفال, ولد وبنت. كانت تذكر دعد البنت كثيرا. الباقين كانوا أربعة أولاد وثلاث بنات. تمتعت بحياة جيدة, عباس أولاها رعاية جيدة كان محبا وفخورا بها وأنفق بسعة, ليس كمثل أديب الذي أخبرت أنه كان مهووسا بإطفاء أزرار الإنارة, وحتى ختم سطح الطحين في كيس الطحين ليعلم إن كان أحد قد إستخدمه أثناء غيابه. عباس أحضر لأسمى صناديق من الأحذية من بيروت لتنتقي منها ورافقها من وقت لوقت لزيارة أختها إميلي في بيروت في سيارته, التي كانت تجري على محرك يعمل بالدوس بالقدمين, واستغرقت خمس ساعات لقطع سبعين كيلومترا ولكنها كانت السيارة الوحيدة في صور في ذلك الوقت. مسؤولياته كمختار جلبت الكثير من الناس إلى منزلهم, بما فيهم قرويين إستفادوا أحيانا من قطرة العيون التي كانت تركبها جدتي في البيت, شيء تعلمته من والدتها, كانت محبوبة ومقدرة. وكان في صور قسمين, الغالبية كانت في الجزء المسلم والأقلية كانت في الحي المسيحي عند الميناء.



تزوج عباس ثانية بعد إثنتي عشرة سنة كقصص الخيال وشهدت الأيام إحتدادا بينما نأى بإهتمامه ناحية زوجته الثانية وأهمل أسمى. عاشت الزوجتان في منازل مستقلة, ليست متقاربة. قالت أم جدي بعد أن شح المال في يديه أن ذلك كان رزق النصرانية. وأسمى وجدت نفسها بحاجة إلى المال فصنعت فساتين. كان لعباس عشر أولاد من زوجته الثانية. كانت أمي أحب أولاده إليه قالت, أخبرها أنها تشبه أمه كثيرا. ولكن أقلهم حظا لديه كان أصغر ولد هشام. أذكر جدتي تخبرني قصة عجيبة عن تعذيبه على يدي أبيه وزوجته. إتهم بعمل شيء خطأ من قبل زوجة أبيه, كان أبوه بحاجة لتأديب إبن الخمس سنوات وتلقينه درسا, كشف مؤخرته, حمى أسياخا على النار وطبعه بها على مؤخرته بينما أعدت زوجته مدادا جاهزا له. بكت جدتي عندما إستعادت تلك الحادثة. ويوم موت والده, إتخذه خالي عيدا. عندما كنا نجتمع في بيته كل عيد, كل أبنائه السبعة عشر مع أولادهم الذين بلغوا تسعة وأربعين بعد سنوات عديدة. ما عدا هشام وأسمى, سأل جدي لماذا لم تحضر أسمى والدموع في عينيه


إستمر التوتر بالتصاعد بعد زواج عباس. إتهمت زوجة عباس أسمى بسرقة خاتمها وضرب أسمى أمامها. أخبرتني أنها رأت الآية من خلال دموعها " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون", مكتوبة بالنور على الحائط تلك الليلة. قالت أن الله انتقم لها وفي خلال أيام التي اتهمتها بسرقة الخاتم, أصبح إصبعها أسودا. قررت أسمى المغادرة إلى بيروت, عباس أيد قرارها ولكن ليس ماديا وأرسل لها أولاده ليدرسوا في بيروت. عندما كان يحضر لتفقد أحوال أولاده أحضر معه أمهم, ترك بعض المال ما يكفي لهم. أمضت هي أياما وليالي على ماكينة الخياطة, أخبرتني أمي أنها رأت أنفها مرارا ينفجر بالدماء. علمت فتيات الخياطة لقاء تنظيف بيتها وخاطت فساتين لقاء أجر. تفقدت أختها التي كانت مريضة في المستشفى وأبي زارهم. حوالي العام 1945 أرسلت أكبر أولادها عصام إلى بلجيكا ليدرس المحاماة ,بعده بقليل أرسلت مريم الإبنة الكبرى إلى إسبانيا لدراسة التاريخ, حسام إلى ألمانيا ليدرس الهندسة الإلكترونية وهشام إلى إسبانيا ليدرس الطب. أذكر عندما غادر هشام على سفينة كبيرة من مرفأ بيروت إلى إسبانيا. واليوم الذي عاد فيه بعد سنوات مع زوجته الجميلة ماريا, لم يصبح طبيبا ولكن أسس مع ماريا معملا لحياكة وصنع الملابس. إلهام الصغرى تزوجت باكرا ورحلت مع زوجها الثري إلى أفريقيا, ذلك ترك الأوسطين أمي قطام وخالي سلام معها وهشام لبعض الوقت قبل أن يغادر إلى إسبانيا. سلام حصل على وظيفة في بنك في بيروت وتزوج باكرا وأمي كان لها قصة مع إبن خالتها فؤاد. عندما كنت في الثالثة عشرة في الطريق إلى الجبل في باص المدرسة, توقفت أمي وأرتني بيتهم القديم في بيروت. كان منزلا كبيرا على ناصية الشارع بنوافذ مسيجة بقضبان حديدية في منطقة العريس. شهد لسنوات عديدة أيام كبر خالاتي وأخوالي, مغادرتهم ليبدأوا حياتهم واحدا تلو الآخر, صراع أمهم البطولي لتنشئتهم وتعليمهم, الصداقة الحميمة بين أبي وصديقه الأفضل خالي حسام, وقصة الحب بين أبي وأمي بكل أحلامها ومشاكلها.

25/12/2007



والداي

كانت أسمى ما زالت تعيش في صور عندما توقف إبن أختها الشاب فؤاد في خلال رحلة مدرسية إلى آثار صور للقاء أولاد خالته. كان حبا من النظرة الأولى. عاش في خيال قطام إلى أن تقابلا ثانية بعد عدة سنوات عندما انتقلوا إلى بيروت. كان وسيما وشاعريا. شيء من إضطراب عميق وضع الإثنين معا, شيء مثل الأجنحة المتكسرة أو الأرواح المتمردة لجبران خليل جبران.

نشأ فؤاد في بيت حيث كان والده مشغولا برحلاته, كتبه, قصائده, حياته الإجتماعية وعلاقاته الخاصة. أمه كانت وحيدة وغاضبة. لا بد أنه تحذير أمها الذي طاردها معظم أيامها, ولكنها لم تعثر على مخرج, وقعت بين براثن الإكتئاب ووضعت في مستشفى. لا بد أن تلك الظروف شكلت شخصية أبي. سمعت من أمي, وأمها وأبيه, أنه كان مسؤولا, عطوفا, حساسا, مؤدبا, وكان لديه حزن عميق في نفسه. أولى عناية جيدة لأخته وأخاه الأصغر ودائما زار والدته التي كان قد مضى على وجودها في المستشفى وقتا. أحضر لهم والدهم قريبة من القرية لتطبخ وتعتني بثلاثتهم, هو وأخته سلوى وأخوه الصغير حافظ ومعهم أخوهم كمال من زوجة أبيهم. كان جدي يقطن في الطابق الثالث وأجر الطابق الأرضي للعاملية كمستودع للكتب, وعاش الأولاد في الطابق الثاني. أخبرني جدي أن أبي كان يقف كلما دخل أباه الغرفة وكان يصر على مرافقته إلى باب شقته في الطابق الثالث كلما غادر. كانت الدموع في عينيه حين قال أنه كان أفضل أولاده. قالت جدتي أنه كان ملاكا.


وصفت قطام بيتهم قرب البحر لي, كان قريبا من الطرف الجنوبي لآثار صور الرومانية, قريب جدا من مكان ضريحها الآن بجانب  ضريح والدتها. كان للبيت درج عميق بدون درابزين قاد إلى الطابق العلوي, كان للمنازل في تلك الأيام أسقف مرتفعة. قالت أنه كان لغرفتها نافذة عالية تطل على البحر والرمال البيضاء التي تفصلهما.


كانت قطام تكبر في صور تشاهد صراع أمها في تربية أولادها, مشاكلها مع زوجها وزوجته وعيشها بعيدة عن أهلها. لا بد أنها عاشت بين مشاعرها المختلطة نحو عطف أبيها الزائد الذي خصها به من بين أولاده جميعا. كان يأخذها معه في رحلات العمل إلى فلسطين, أخبرها أنها عزيزة إليه لأنها تشبه أمه, إشترى لها شرابه المفضل عصير السوس وكان يغضب عندما كانت ترفض أن تشربه, يغضب كثيرا قالت, لدرجة أن يضرب رأسه على عامود الكهرباء الخشبي. لا بد أنها حارت بين ذلك وعذاب أمها والإهتمام الزائد الذي أولته أمها لمريم أختها الكبيرة. كانت مريم متكلمة ومتطلبة وكانت الرقم واحد. كانت معروفة بعد سنوات عند إخواتها وأخوتها ب "النابوليونة", كانت مديرة جمعية الزهراء النسائية في بيروت وهي في العشرين من عمرها وكانت خطيبة حماسية كذلك. قطام كانت شاعرية حالمة. سبع سنوات كانت تفصل بينهما.

اللقاء الأول بين قطام وفؤاد كان مرتبا في السماء. كبر الحب مع الشهور الطويلة والمسافة التي فصلت الروحين المضطربتين. دفتر المذكرات المشترك الذي أعطتني إياه قطام في إسبانيا خلال عطلة صيفية عام 1999 باح بنوع من حب يشوبه التوتر. دفتر المذكرات بديء بواسطة قطام, أول جزء بتاريخ سبتمبر 1953. كان ذلك خلال فترة خطبتهما قبل عامين من زواجهما. كتابة أبي في معظم الصفحات, إنه حب عميق ولكنه بدا يائسا في بعض الأحيان! كتابة قطام تبدو ككتابة خطاط محترف ولكن هذا كل ما في الأمر, فقط القليل من الناس يستطيعون فك رموز خطها. كانت رومانسية قلقة. الدفتر في ثلاثة وثلاثين صفحة, بعد أول خمس صفحات مكتوبة بواسطتها في ثلاثة أيام مختلفة من سبتمبر 1953 مع أرقام مضافة بين قوسين في مواقع مختلفة من الدفتر ثم على الصفحة الخامسة أجاب فؤاد على كتابتها, الأرقام بين قوسين كانت له وعلق على النقاط واحدا تلو الآخر. شعرت بحب عظيم مشحون باضطراب أعظم بين الإثنين. ذهلت لرؤية التشابه بين خطي وخط أبي وأننا إستخدمنا ذات الأسلوب في الفقرات ومسافة الهامش, والثلاث نجوم التي تفصل الفقرات. وأحسست بحب كبير له.

بعض من كلمات قطام التي تمكنت من فك معظم رموزها,

من أنادي ! وبمن أستغيث ! بإلهي ولم يجد بين خلقه كفؤا لأن يحمل متاعب الحياة وشقاء الأرض سواي.أم بحبي وما خلقت إلا ... وحيدة. حبي ! .. الذي توسمت فيه كل أمل باسم. حبي الذي يريني الحياة صحراء قاحلة بدلا من الروضة الغناء التي دفنتها مع آمالي. إن له الحق في غيرته والغيرة  ... المحبة. على أني لم أعد أجدها غيرة بل أعتبرها نكدا وكرها وكأني حملا يكاد يرزح تحت ثقله. رفقا حبي. فليس هذا مأربي في الحياة. وما خلقت لأثقل على أحد فكيف بي عليك أنت. وأنت سندي في الحياة وسبب بقاءي. على أنك أنت المخطيء فبيدك داؤك وبها دواؤك   ...........................

قطعتي المفضلة مكتوبة بواسطة أبي كانت على الصفحة الثانية عشرة.

***

بحيرة القلق

  في الهدوء الفاتر الذي يحتضن هذه الليلة الذاهلة, مضيت أتأمل وجوم هذه الطبيعة الشاحبة التي تمثل في خيالي وجها جميلا أعبده. وبات اليوم بعيد النوى.

إن الطبيعة مستغرقة في سباتها الحالم كأنها ضريح كبير, وريح الموت تنبعث منها كما تنبعث مني حين أستذكر طيف حبيبي الجميل ...

وأنا .. أنا نفسي .. أتوق إلى الموت. وأشعر أني أذوب شيئا فشيئا وأضمحل.

  وأكاد أرسب وأتعفن في بحيرة القلق.

الموت .. ما الموت ؟ .. إنه ماض يبعث وحاضر يذوي  ..  ..  إنه شباب يتجدد, إنه العودة .. ..  العودة السريعة المفاجئة إلى ذلك الركن الأول الرائع الذي ولدت فيه حياتنا ! ..

فهو إذن حياة كبرى, تلوح بجناحيها  ...  لحياتنا الصغرى وتناديها  ...

فعلام الخوف إذن ؟!  .. أقبل, أقبل أيها الموت ..  ..  وضمني إلى صدرك المريح ..  واحملني إلى حبيبتي, فقد سئمت نفسي الجمود, والركود والتعفن في بحيرة القلق  ..  ..  ..

***

شعرت عند قراءة هذه السطور كأن قدري أن أبحث عن معنى الحياة بعد الموت, كأنني أسير في خطى رسمت في السماء وحفظت في جيناتي عبر أبي. 

 


قطام وفؤاد تزوجا في عام 1955 وسافرا إلى مصر لقضاء شهر العسل. كان فؤاد موظفا في مطار بيروت, ضابطا في برج المراقبة. سمعت من الأقارب أنهما كانا كطيور الحب وعندما شوهدا معا, كانا كمشاهير الممثلين. كانت في غاية الأناقة في أطقم وفساتين الخمسينات وبدا رائعا في زي الطيران والقبعة. كانا يذهبان إلى نادي الضباط وأحضر لها خادمتين. أحضر أمه المريضة بعد زواجهما بقليل للعيش معهما. ولد أخي أديب يوم الأربعاء في الرابع عشر من آذار, 1956. إهتزت الأرض لمولده وأخلي المستشفى أخبرتني أمي. إنه حوت, وقرد في الأبراج الصينية, أفضل البرجين. وهو أخ خاص جدا. ولدت أنا يوم الإثنين الخامس والعشرين من آذار 1957, أنا حمل وفي البرج الصيني ديك, أنا أشياء كثيرة ولكن فوق كل شيء أنا مبدعة منهج


والدنا أحب أمنا ونحن كانت تقول, كان دائما يعتني بها وبنا. إحتفظ بآلة التصوير خاصته دائما جاهزة, كان مصورا محترفا. وكان يظهر الصور في البيت. كان لعمله نوبات نهارية ومسائية في أسابيع متبادلة. في حزيران 1957 دعي للعمل في نوبات زيادة في المساء بسبب أعمال إنشاءات في البرج. إحدى ليالي حزيران لم يعد للبيت, وقع عن السلم الغير مسيج في ساعات الصباح الباكر. تهشمت عدسات نظارته وحياة أمي لأمد طويل, كانت تسمع جرس الباب يدق عند وقت عودته من العمل في الصباح الباكر أياما عديدة. كانت في صدمة لوقت طويل.


بعد ذلك انتقلنا للعيش مع جدتنا وخالي سلام. أذكر بيت جدتي في برج البراجنة. كان بيتا كئيبا, له درج في بهوه يفصل ساكني الطابق العلوي عن سكان الطابق الأرضي. أرسلتنا جدتي أنا وأخي إلى المدرسة ذات يوم. كنت في الثالثة وقتها وأخي في الرابعة من عمره. جلسنا على مقاعد مختلفة في الصف ذاته, طلبت المدرسة من الجميع أن يفتحوا أيديهم على الطاولة فور دخولها الصف ومرت من طاولة إلى أخرى تصفع الأيادي المفتوحة بمسطرتها! لم نعد ثانية.

كان لدي ذكريات عديدة, ذكريات حادة من وقت مبكر كهذا, كنت مع جدتي كثيرا وخاصة في ترحالها بين بيوت أولادها. انتقلنا إلى صيدا بعد ذلك, عشنا قريبا من منزل خالتي مريم مع جدتي, ثم انتقلنا إلى منزل مع خالي سلام مقابل مدرسة الدوحة. كانت أمنا تدرس في مدرسة الدوحة وقتها. قبل ذلك كنا نعيش في القسم الداخلي للمدرسة مع الأولاد المقيمين الذين أتوا من عائلات مغتربة في الخليج وفي أفريقيا أغلبهم. أذكر المكان والسيدة العجوز أم لطفي التي كانت تعتني بي وقتها. وصديقات أمي. أذكرأخي يخبرني أن هناك جان يعيشون تحت ملعب المدرسة, قال لي أن أضع أذني على الأرض وأنصت ورأيت مخلوقات غريبة بدوا كالآدميين, كانت النساء ترتدين تنانير واسعة حمراء وخضراء, وعلى رؤوسهن مناديل صغيرة وكان على ذقونهن علامات, ولهن وجوه داكنة وسمعت طرق أوانيهم النحاسية الصغيرة. كان هناك رجال يغسلون الأواني في مغاسل طويلة, ويطبخون في قدور كبيرة. ذلك المشهد طاردني ولكن بعد سنوات وجدت أن مطبخ المدرسة كان تحت الملعب.

إنتقل خالي سلام من المنزل مقابل مدرسة الدوحة إلى بيروت بسبب وظيفته في البنك, وتزوج. خالتي مريم كانت متزوجة وعندها ولدين وكانت تعيش في صيدا مع زوجها صلاح البابا في منزل قرب البحر. بضعة مبان أسفل الطريق كان بيت العمة مقبولة, أخت الجد عباس. خالي عصام كان يعيش في طرابلس منذ مدة مع زوجته جانين وإبنتيهما, خالي حسام وخالي هشام وخالتي إلهام كانوا لا يزالون في الخارج وقتها. أمضيت وقتا مع جدتي في منزل خالي سلام, زوجته شهناز كانت دائما طيبة وكانت رائحة طبخها لذيذة. ذهبت مع جدتي لمشاهدة تمثيلية في شارع رأس النبع, بضعة مبان أسفل الطريق عكس إتجاه منزل جدي. كانت دموعها تتساقط أثناء المسرحية.

ثم وجدت نفسي وحيدة في منزل جدي, كنت في الرابعة من عمري وقتها, نمت في شقة جدي في الطابق الثالث, كانت غرفتي بجانب غرفته. كان لها نافذة تطل على الزقاق الذي تفرع من الشارع العام, في مقابل بيته كان هناك بيت قديم صغير وبعده مبنى قديم من طابقين. وقريبا من الشارع العام مبنى مرتفع جديد. رتبت سريري فور نهوضي من النوم وأعجب ذلك جدي, كان منظما جدا. كان يوقظني للمدرسة وبعد أن غسلت وجهي وارتديت ملابسي, أخذني إلى غرفته, سرح شعري بالفرشاة ووضع نقطتين من العطر على خدي من زجاجات عطر على خزانة منخفضة بأدراج في غرفته, كانت خمسة زجاجات كلها متشابهة ولكن بأحجام مختلفة, كان العطر طيبا فعلا. لسنوات أحببت العطور ولكن فقط قريبا وجدت ذلك العطر, إيزاتيس من جيفنشي هو أقرب ما يمكن من ذلك. وجدته عندما كنت أختار عطرا لزوجة إبني هدية لعيد الميلاد, لدي شعور بأنه أطلق كل هذه الذكريات القديمة, عندما أخبرت عبير إبنتي عندما كنا في سيارتها في اليوم التالي عن شبه هذا العطر بعطر جدي الذي كان يضعه على وجنتي قبل أن أذهب إلى المدرسة, قالت أنني يجب أن أكتب تلك الذكريات, أنها ستكون مرجعا لهم ولأولادهم. بعد وضع العطر على وجنتي كان جدي يعطيني ملعقة من زيت الخروع المقزز! وضع حذائي الشول في قدمي, كانت لدي أقدام مسطحة, أحكم الرباط, وصحح وضع قدمي بالطرق الخفيف على داخل قدمي  بمطرقة ليوجهها للخارج من الأمام. ثم تناولنا الفطور في غرفة الطعام, كان فيها طاولة مستطيلة بثمانية كراسي ودريسوار قديم له مرآة طويلة بإطار خشبي محفور. البراد كان في الزاوية, قريب من الشرفة الصغيرة التي وصلت المطبخ بغرفة الطعام. وكان دائما لديه مربى المشمش المفضل لدي.

فتاتين أو خادمتين أتتا لتأخذاني إلى مدرسة العاملية, مشينا وأخذتا طفلين آخرين على الطريق, أحدهم كان يعيش مقابل بيت أليس, كان دائما متأخرا وكان يصرخ عندما تغسل أمه وجهه. كانت المدرسة كبيرة والبوابة ضخمة, وشعرت بوحدة خالصة. عندما عدت كنت أذهب إلى الطابق الثان إلى منزل عمي كمال, كانت زوجته رقية قد جهزت غداء لي. وشاهدت التلفزيون معهم. كانوا يشاهدون يوما فيلما عربيا, كان هناك ضابطا شابا يختبيء في سلة خيزران للغسيل, رقية وأختها رمزية التي كانت تزور دائما قالتا لي أن ذلك هو أبي. صورة أبي كانت معلقة في غرفة صالون جدي. أمضيت عاما هناك, جاء أخي مرة ولكنه لم يمكث إلا لبضعة أيام. واشتقت له كثيرا.

ثم اجتمعت بأمي وأخي ثانية عندما كنت في الخامسة, حين تزوجت أمنا مدرسا فلسطينيا وعشنا في الطابق الثالث في مبنى من ثلاث طوابق, بين مدرسة المقاصد ومدرسة الدوحة قرب البحر. ولدت أختاي ليلي ومي هناك. أخذت الباص إلى مدرسة  التفوق, نقلت إلى الصف الأول خلال السنة لأنني كنت جيدة ولكن لم يعجبني ذلك وكرهت فرصة الغذاء لأنني كنت أجبر على تناول طعامي. كنت انادي أبي كمال ليأخذني إلى البيت عندما أعود من المدرسة لأنه كانت هناك غرفة صغيرة مرعبة عند مدخل البناية تحت الدرج, تشبه الغرفة الصغيرة في وسط منزل العمة مقبولة. كانت تلك الغرفة حالكة الظلمة, توحي بزمن غابر غامض. كانت لي صديقة في مسافة مبنيين أسفل بنايتنا, كان إسمها أميرة. فيما بعد انتقلنا أعمق داخل صيدا قريبا من مدرسة عمي صلاح زوج خالتي مريم. أمنا درست هناك وأنا ذهبت إلى المدرسة مع أخي. في الطريق كنت أسعد برفقته مع قلة كلامه. كانت جدتي تنتقل من بيت إلى بيت عند أبنائها ولكنها دائما تفقدتنا.

منذ كنت في الرابعة كنا نمضي الصيفيات في الجبل, بعد زواج أمي كان أهلنا يستأجرون منزلا قريبا من مدرسة العم صلاح الصيفية كل سنة في مكان مختلف. ذهبنا في رحلات وحضرنا أفلام سينما مع طلاب المدرسة منهم أصدقاء من صفي. شاهدنا هرقل وصوت الموسيقى وبعض الأفلام الأخرى. إستمتعت بالمشي قريبا من وديان الصنوبر المنحدرة والأيام المكسوة بالضباب, الهواء العليل وإجتماع أولاد وبنات أخوالي وخالاتي. كان وقتا تشاركنا فيه ألعاب المونوبولي, وأنا وإبنة خالتي رندة تشاركنا حكايات من التراث الألماني من قصص المجموعة الخضراء. الذكريات من تلك الصيفيات والكتب كانت هناك لتبقى. الأميرة النائمة, الأميرة وإخوتها الذين تحولوا إلى بجع وكان عليها أن تحيك لهم قمصان من الشوك في وقت محدد لتبدد اللعنة التي ألقتها عليهم زوجة أبيهم. وقصة الأمير وأخته الذين تحولا إلى أعمدة قرب نافورة الماء, الكلاب الثلاثة ذوي العيون الكبيرة, عقلة الإصبع, وقصص الغول. كانت مجموعتنا الصغيرة من أبناء وبنات الأخوال والخالات تلك الصيفيات التي احتفظت بها من بين ذكريات العائلة الأولى. كانت رندة ورضوة, بنات خالتي إلهام وعدي أخوهم, ميرا وندى بنات خالي عصام الذين أتوا للزيارة من طرابلس من وقت لآخر, وأنا زرتهم مرارا مع جدتي, وخلدون ومازن أبناء خالتي مريم وأنا وأديب أخي, كنا جميعا في سن واحدة تقريبا.

البيت الأخير الذي قضينا فيه الصيف في الجبل كان في بتخناي قرب فالوغا, كان في الوادي تحت المدرسة وكانت عبر الشارع رابية مكسوة بشجر الصنوبر تفصل بين شارعين متوازيين, جزيرة مستطيلة كانت مسرحا لبعض النشاطات الصيفية, وعلى بعد بضع أمتار كان هناك مصنع للبلاط وبعده دكان للآيس كريم كنا دائما نتوقف عنده خلال الرحلات المدرسية على الأقدام باتجاه فالوغا. كانت المدرسة ثلاثة طوابق, في الطابق الثاني كان بيت خالتي مريم. شرفتهم الكبيرة عند زاوية المبنى شهدت لقاءات أبناء وبنات العائلة واجتماع على لعبة المونوبولي. كنت في الرابعة عشرة وقتها, كان لبيتنا ساحة إسمنتية مفتوحة قرب المطبخ وكانت أمنا تحتفظ بأكياس بطاطا كبيرة قرب المطبخ, ودائما قدمت لنا أطباق البطاطا المقلية المفضلة لدينا. كان هناك بركة ماء صغيرة وموقد صغير, كنا نشوي فيه أكواز الصنوبر ونسحق البذور بعد أن نلتقطها بواسطة عصي معدنية معكوفة من الوادي المنحدر القريب. كان هناك قبائل من البدو الرحل يعيشون في الوادي, يقطنون في خيم ولديهم سيارات مرسيدس. ذهبنا في عدة رحلات عائلية ومدرسية. لم أزر مكانا فيما بعد يشبه جمال تلك البقع. لبنان كان قطعة من السماء.

في طفولتي بعد موت أبي عشت مرتحلة مع جدتي بعيدة أحيانا عن أمي وأخي, إلى أن بلغت خمس سنوات عندما تزوجت أمي وعشت معهم. عندما كنت في السادسة ولدت أختي ليلى, وبعد ذلك بعام ولدت أختنا مي, وبعد سنوات عدة ولد أخي فراس. كانت أمي تدرس في مدرسة خالتي وتعود عند الرابعة عصرا لتعتني بخمسة أولاد. زوج أمي كان يدرس ويعود إلى البيت مع أوراق لتصحيحها, جدتي كانت دائما تتفقدنا وعندما انتقلنا إلى رابع وآخر منزل بعد زواج أمي إنتقلت جدتي للعيش بجانبنا. كانت دائما معنا وشهدت سنوات جهاد أمي التي تشبه سنواتها عندما انتقلت لبيروت. عندما ولد أخي الصغير فراس, توقفت أمي عن العمل, ربته وهي تعاني من آلام الحصى في الكلى, وآلام التعاطي مع آدميين من الأقارب. لعل وجود جدتي خفف عنها ولعل ترسبات الماضي حالت مع ذلك بينهما, نحن كبشر دائما نتمنى العودة للخلف لنعيد تقدير الأمور والأشخاص المقربين, لأننا بحكم العادة لا نرى قصورنا وتضحياتهم حتى نخرج من الصورة ونعاينها عن مسافة. عندما نعلم يكون الأوان قد فات, وهكذا الحياة. كان ذلك شعوري بعد موت جدتي. كم تمنيت لو أنني قلت لها كم أحببتها, تمنيت لو أنها تعلم أنها مثلي الأعلى, أنني قدرتها كلما كبرت. قصتها عاشت معي وكانت شعلة أنارت ضميري وإيماني بعدل الله.

تلك السنوات الباكرة, سنوات الترحال مع جدتي حفرت مشاعر الإغتراب في نفسي, أحببت جدتي ولم أعلم سر قربي منها لسنوات عديدة, كانت عرابتي من عالم الروح, وأحببت أخي ولكنه كان بعيدا في سنواتي الأولى, وأمي يبدو أنها ولدت لتعيش في كبد. حملت من طفولتي آثار الإغتراب والتعلق والحماية الشديدة لأولادي.

27/12/2007

 

1 رمضان 1429


أجنحتي
عبير جامعة أصداف البحر
فادي المحدق في النجوم
محمود راتق غصون الأزهار

http://sinkinghigher.deviantart.com/art/Comptine-Flash-100170577 فن محمود  


عبير وفادي
فادي ومحمود


    

رمضان, 28, 1429